السعيد شنوقة
58
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
ذلك بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، ففرقة أو حزب يرى ( عليا ) خليفة ، وحزب يرى ( معاوية ) أحق بالخلافة منه ، وحزب لا يراهما معا ، وإنما يرى بأنه لا حاجة للخلافة ، وحزب محايد لا رأي له ، ولم يدخل في الخلاف . إنّ المتمعّن في هذه الفرق وأسباب اختلافها يجدها سياسية بيد أنها تحتج في إطلاق أحكامها بالكفر والإيمان والجنة والنار ، ولكن إطلاق الأحكام بالكفر أو الإيمان بين الفرق يرجع في حقيقته إلى أن الإسلام كان آنئذ في عنفوانه يضفي على النفوس المتعلقة به كل السعادة الروحية والدينية والدنيوية ، لذلك غلفت الأحداث السياسية بالصبغة الدينية لأنها السمة الساطعة يومئذ في البيئة بين الناس فوظفت هذه النزعات الدينية ليفهم كل جانب الناس أنه يدافع عن الدين ليحقق هدفا سياسيا لا دينيا « 1 » . ولم يتوقف الخلاف هاهنا بل تطور في الإمامة هل هي بالنص أو بالتعيين ؟ وهل تتم بعقد من أهل الحل والعقد ؟ وهل ذلك واجب أو لا ؟ وما طبيعة السلطة ، أروحية هي أم زمانية ؟ أم هما معا في آن واحد ؟ وناصر كل فريق رأيه في هذا واعتمد التأويل فيما يتناغم مع ميله « 2 » . وأصبح موضوع « الإيمان » محل جدل : من هو المؤمن ؟ وهل هو تصديق فقط أم أنه يتضمن العمل ؟ وتفاصيل هذا الجدل بيّنة في خلفيات الفرق المذكورة وأصول مناهجها . ونشأت مشكلة الجبر والاختيار في ظل تلك الظروف السياسية أيضا ، لذلك عدّ الأمويون أن وصولهم إلى الحكم وسلطانهم على الناس وأفعالهم المخالفة في بعض الحالات للإسلام إنما هي بقدر من الله لا سبيل إلى دفعه من الناس ، فنشأ عن عقيدة الجبر السائدة هذه معارضون سموا أنفسهم قدرية أولهم « معبد الجهني ( ت 80 ه ) » الذي قيل : « إنه أتى الحسن البصري مع عطاء بن يسار قائلا : يا أبا سعيد هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم ويقولون إنما أعمالنا على قدر الله » « 3 » ، فهذا كله يمثل جزءا من عوامل نشأة علم الكلام .
--> ( 1 ) انظر أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 2 ، ص 5 . ( 2 ) د . علي عبد الفتاح المغربي ، الفرق الكلامية الإسلامية مدخل ودراسة ، ص 56 . ( 3 ) - م ن ، ص ، 58 .